محمد نبي بن أحمد التويسركاني
54
لئالي الأخبار
وتواضع لنعمته وذلّ لعزته واستسلم لقدرته ، وخضع لمهابته ، وفكر في حسابه وعقابه ، فنهاره صائم ، وليله قائم قد اسهره ذكر النار ومسئلة الجبّار ، فذلك هو الراهب واما انا فكلب عقور حبست نفسي في هذه الصومعة عن الناس لئلا أعقرهم ، فقلت يا راهب فما الذي قطع الخلق عن اللّه بعد إذ عرفوه ؟ فقال : يا اخى لم يقطع الخلق عن اللّه الا حب الدنيا وزينتها لأنها محل المعاصي والذنوب . والعاقل من رمى بها عن قلبه وتاب إلى اللّه من ذنبه ، واقبل على ما يقرّ به من ربه ، وروى أن موسى مر برجل وهو يبكى ثم رجع وهو يبكى ، فقال : الهى عبدك يبكى من مخافتك فقال : يا موسى لو نزل دماغه مع دموع عينيه لم اغفر له ، وهو يحبّ الدنيا . وفي ارشاد القلوب روى أن موسى عليه السّلام مر برجل ساجد يبكى ويدعو ويتضرّع فقال موسى : يا رب لو كانت حاجة هذا العبد بيدي لقضيتها ، فأوحى اللّه اليه يا موسى إنه يدعوني وقلبه مشغول بغنم له فلو سجد حتى ينقطع صلبه وتتفاء عيناه لم استجب له . وفي رواية أخرى حتى يتحول عمّا أبغض إلى ما أحب . وفي عدّة الداعي عن النبي صلى اللّه عليه واله قال : مر موسى برجل وهو ساجد ، فانصرف وهو ساجد ؛ فقال عليه السّلام : لو كانت حاجتك في يدي لقضيتها لك فأوحى اللّه اليه يا موسى لو سجد حتى ينقطع عنقه ما اقبله ( استجبت خ ل ) له حتى يتحوّل عما أكره إلى ما أحب ، ويأتي في الباب في لؤلؤ سلوك عيسى عليه السّلام ما يشهد على ذلك وقصّة تشبه بالقصّة الأخيرة . ويأتي في أواخر الباب الرابع في لؤلؤ ما يدل على مفاسد الغنى وبعده دلايل وشواهد أخرى لما مر هنا . وفي الرواية ان عابدا عبد اللّه سبعين عاما ، صائما نهاره قائما ليله فطلب إلى اللّه حاجة فلم يقض فأقبل على نفسه وقال : من قبلك أتيت لو كان عندك خير قضيت حاجتك فانزل اللّه اليه ملكا فقال : يا بن آدم ساعتك التي ازريت فيها على نفسك خير من عبادتك التي مضيت . وفي رواية أخرى عبد اللّه رجل أربعين سنة وذمّ نفسه وقتا في شئ فأوحى اللّه اليه ذمّك لنفسك أفضل من عبادتك أربعين سنة ، وقيل : ان رجلا في زمان بني إسرائيل نام عن صلاة الليل ، فلما انتبه لام نفسه فقال هذا منك وبطريقك وتفريطك حرمت عبادة ربى . فأوحى اللّه إلى موسى قل لعبدي هذا : انى قد جعلت لك ثواب مأة سنة بلومك لنفسك .